U3F1ZWV6ZTQ5MzU1NDMzMjcxNTY4X0ZyZWUzMTEzNzY3NTExNDYxMQ==

مواسم السحر والشعوذة وطقوسها المحرمة

مواسم السحر والشعوذة وطقوسها المحرمة

منهجية الرقية الشرعية والظواهر الروحية في الأوساط المجتمعية

دراسة تحليلية في الدوافع، والمظاهر، والمقاربات العلاجية

 

المقدمة وسياق الأثر النفسي والاجتماعي

تثير قضية الاضطرابات الروحية والظواهر المرتبطة بها الكثير من الجدل والتساؤلات والمخاوف المجتمعية، ولا سيما عند مناقشة موضوعات السحر والشعوذة في البيئات المحلية. وينطلق البحث في هذا المجال من تساؤل جوهري حول طبيعة الذعر البالغ الذي ينتاب العامة بمجرد ذكر هذه العناوين، مما يدفعهم للتحوط الشديد بشتى السلوكيات، ويبعث الرهبة في النفوس لارتباط هذه اللفظة بـ عالم خفي وبطاقة مستترة تؤثر في الإنسان تأثيراً بليغاً وقوياً يصل إلى حد تغيير حاله من حال إلى حال.


يتعاظم هذا الخوف مع ضعف الوازع الديني لدى الأفراد، وهشاشة العقيدة، وغياب المعرفة الشرعية، إلى جانب التهويل الشديد الذي يمارسه بعض المشتغلين في هذا الميدان؛ إذ يصل الأمر ببعض الممارسين إلى إيهام المصاب بأنه إذا تعرض لهذا الأذى، فقد حُكم عليه بالهلاك المحتوم قبل أن يحين أجله. وهذا الخوف ليس نابعاً من فراغ؛ فالإصابة بالسحر ابتلاء عظيم أوذي به النبي صلى الله عليه وسلم إيذاءً بليغاً، ولعظم هذا الأمر ورد ذكره في القرآن الكريم، وكتاب الله لا يذكر إلا الأمور ذات الأثر البالغ في الوجود، خيراً كانت أم شراً.

مواسم السحر والشعوذة وطقوسها المحرمة


السياق القرآني والعمق التاريخي

لقد سردت النصوص القرآنية قصة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون وسحرته، وكيف حُشد لهؤلاء السحرة جمع غفير ليظهروا ما لديهم من خوارق أمام العامة، وكيف أن الله سبحانه وتعالى خص نبيّه بـ معجزة العصا التي لَقِفَت ما صنعوا، فأبطلت تلك الخرافة وتلك الهالة التي صُنعت في ذلك الزمن حول تلك الممارسات. فكان بمفرده، ومعه عصاه، قادراً على التغلب على الحشد الغفير من السحرة، حيث كان عددهم في تلك المواجهة يبلغ عشرات الآلاف في وادٍ معلوم جُمع فيه الناس، بل رُصدت لهم مكافآت عظمى ووُعدوا بأن يكونوا من المقربين إلى السلطة.

 

من هنا يتضح أن الرهبة من السحر متجذرة تاريخياً؛ حتى إن خشية العامة من وجود ممارس له في المحيط العائلي تثير رعباً شديداً، خشية أن يتسلط على الأسرة فيشتت شملها، أو يهلك أبناءها، أو يعطل تجارتها. وهذا الخوف يغدو واقعاً مسيطراً إذا اقترن بـ ضعف العقيدة.

 

أصل الظاهرة بين الحضارات ونشأتها الغيبية

لا تقتصر هذه الظواهر على بيئة دون غيرها، بل تمتد في الحضارات القديمة كالحضارة الرومانية واليونانية، وفي الأديان الأخرى كالنمط الموجود في التاريخ اليهودي والمسيحي. وبالعودة إلى أصل نزول السحر، نجد أنه في أصله علم سماوي وليس علماً أرضياً؛ فقد أنزله الله سبحانه وتعالى فتنة للبشر بواسطة ملكين، كما ورد في القرآن الكريم: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}. فهذان ملكان أنزلا السحر إلى الأرض وعلّماه للبشر اختباراً وابتلاءً، وهو موجود منذ فجر التاريخ، وتحديداً في الحقبة المحيطة بزمن نبي الله سليمان عليه السلام.

 

لقد اقتضت الحكمة الإلهية إنزال هذا العلم وتزامن ذلك مع إرسال الرسل والكتب المقدسة ليتحقق التدافع في الوجود، ولتبيان مسارين للإنسان في هذه الحياة: مسار الشر المتمثل في السحر والشياطين والعالم السفلي، ومسار الخير المتمثل في الكتب المقدسة والوحي، والقرآن الكريم خاتماً للرسالات. ولذلك يُصنف السحر كأحد أقدم العلوم، وأعرقها، وأعمقها. ويمتلك هذا الميدان مراجع وكتباً أصلية تبلغ قيمتها مئات الآلاف من الدولارات، وبلوغ هذه النسخ أو الفوز بها لا يتطلب المال فحسب، بل يتطلب شروطاً أخرى كـ الوساطات، والعلاقات، والمدارس، والمراتب.

 

تراتبية الممارسين والترقي في المخالفة الشرعية

إن السيطرة المطلقة في هذا المجال الغيبي الشرير هي لـ إبليس الأكبر، وهو يرسل إلى الساحر خاصته وأهله ومقربيه، ويعلم مكانه بدقة، ويختاره ليكون من المقربين لديه ومن حظوته. أما بالنسبة للممارسين الذين ينتشرون في الأحياء الشعبية والأسواق، فالأمر لا يتعلق بانتحال المهنة وإنما بـ مراتب السحر. فالممارسون في الأزقة والأحياء هم غالباً من قرأ يسيراً من علم الحساب وطرق الاستعانة البسيطة، فيعتمدون على "التربيع" واستخدام اسم الأم واستراق السمع، فيصدقون في كلمة ويكذبون في عشر.

 

أما إذا تدرج الممارس، فإنه ينتقل إلى الذبح لغير الله، وإحياء الطقوس الليلية، والدخول في الخلوة، وبذلك يحقق الكفر. وكلما تدرج في الكفر، وتدنيس مقدسات القرآن والدين، وإتيان الممارسات الشاذة حتى مع أقرب المقربين إليه، انفتحت له معارف أوسع وتلقى دورات تكوينية من الشياطين تمنحه قدرات في التأثير. وتكون هذه الخلوة في أماكن معزولة كالكهوف والمغارات، يرشدهم ويدلهم عليها شيوخهم الذين يطلقون عليهم اسم "الأقطاب". وهو عالم معقد يصعب الإحاطة به، ويتطلب من الباحث والمعالج دوام طلب العلم والسداد لنفع الناس.

 

موقف المسلم من الابتلاء والرقية الشرعية

لا ينكر مسلم ذو عقيدة صحيحة حقيقة السحر لثبوته القطعي في النصوص؛ ولكن هناك قصور لدى بعض الذين تظهر عندهم علامات الالتزام؛ إذ يصاب الشخص أو أهله أو أبناؤه، ويرفض الاعتراف بوقوع الابتلاء عليه، ويمتنع عن الاستعانة بأهل الاختصاص، متأولاً حديث السبعين ألفاً الذين لا يسترقون.

 

هذا المسلك يعد جناية على النفس؛ فالرقية الذاتية والتحصين مطلوبان في حال طلب الوقاية والاستقرار، أما إذا وقع الابتلاء الفعلي واستُهدفت الصحة والمال والأبناء بـ غزو روحي في البيت، فلا يكتفى بالجهد الفردي، بل وجب الالتجاء إلى أهل هذا الميدان من المعالجين المتمرسين الذين بذلوا الغالي والرخيص لتعلم هذا العلم وتفكيك العقد واختصار طريق الشفاء.

 

الموقع الجغرافي والموروث التاريخي

عند دراسة الأبعاد الجغرافية، يُلاحظ أن البيئة المحلية بموقعها تعتبر قوة مركزية في القارة الإفريقية، والدول الواقعة جنوب الصحراء تتوغل في ممارسات السحر في حياتها اليومية بشكل كبير، وبحكم الموقع الجغرافي، فإن تلك الثقافات تصب في هذه البيئة.

 

المسألة الثانية هي البعد التاريخي؛ فقد كانت المنطقة تضم تاريخياً نسبة كبيرة من الطائفة اليهودية، وتوجد أحياء قديمة مخصصة لهم تسمى "الملاح". ومن المعلوم تاريخياً أن اليهود أسياد السحر، وقد تركوا وراءهم موروثاً ومدارس وطلبة تداولوا هذه الفنون الروحية السفلية. ولكن في المقابل، تزخر هذه البيئة بكبار المشايخ، والعلماء، وحفظة القرآن الكريم، وأدى اتساع رقعة الإصابات تاريخياً إلى بزوغ معالجين متميزين في الرقية والعلاج الروحي جعلوا من المنطقة وجهة رائدة في هذا الباب.

 

مواسم السحر والشعوذة وطقوسها

ترتبط مواسم معينة من السنة، ولا سيما يوم عاشوراء وشهر محرم، بزيادة في هذه الأعمال؛ فرغم كونها مناسبة دينية عظيمة صامها النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى بصيامها ولها فضل كبير، إلا أن الممارسات المأخوذة من الموروث الشعبي غيرت ملامحها عند البعض. فإبليس يسعى دائماً لتحويل استعداد المسلمين في هذه الأيام المباركة من الطاعات والعبادات والصيام والصدقة وتلاوة القرآن، إلى حالة من الذعر والاضطراب الروحي، ومع اقتراب هذه الأيام، لا تتوقف الاتصالات عن استقبال الاستغاثات من أشخاص يشعرون ببدء الأعراض؛ لأن الشياطين تكثف مجهوداتها لصرف المؤمن عن الاستمتاع ببركة هذه الأيام وإدخال الهول إلى قلبه.

 

السبب الثاني هو ممارسة "الشعالة"؛ فمن الأمور التي تهيج الأسحار النار، ولذلك يستغل هؤلاء الممارسون السلوكيات الشعبية لرمي المواد السحرية في النيران التي تدور حولها طقوس ذات جذور ماسونية وسحرية لرمي الأسحار وتفعيلها عبر طاقة النار. أما فيما يخص ليلة القدر، فالأمر يعود لكونها من أعظم الليالي؛ فعندما يعمد العاصي الخبيث إلى قضاء ليلته في عبادة إبليس وتدنيس قدسية اليوم وتوجيه الأذى للمؤمنين بدلاً من الطاعة، فإنه ينال بذلك رتبة متقدمة وحظوة عظيمة عند الشياطين.

 

وتزدهر في هذه المواسم تجارة بعض المواد (كالمجامر، والبخور، والجاوي، والتفوسيخة، والشموع) بناءً على حجم الطلب الهائل من شريحة مستهلكين تقدر بمئات الآلاف. وهذه المواد تمثل تركيبات مخصصة لأعمال معينة؛ فكل مدرسة سحرية لها موادها الخاصة. وتوارثت العائلات هذه الثقافات أباً عن جد بشكل تلقائي؛ فالابنة تكرر ما كانت تفعله أمها. ويُحذر علمياً من أن هذه المواد التي يبيعها هؤلاء قد تحتوي على تركيبات سامة تضر بالصحة العامة، أو مواد نجسة يتم خلطها لخداع الزبائن، وقد وُثقت اعترافات لبعض الباعة بخلط مواد نجسة وبيعها للعامة.

 


 

محددات الأثر الروحي والرد على الشبهات

يُطرح تساؤل دائم: إذا كان للسحر هذه القوة، فلماذا لا يؤثر في الشخصيات الرياضية الكبرى لإعاقتها عن الملاعب أثناء التنافس، أو في الفاعلين السياسيين لإبعادهم، أو في قوى الاحتلال والعدوان؟

 

والرد العلمي والشرعي يقوم على أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الخير والشر، وهو ضابطهما بمشيئته وإذنه؛ فمهما بذل طالب السحر من أموال طائلة قد تصل إلى عشرات الملايين لإنفاذ سحر ضد شخص ما، فإن الأثر منوط بـ الإذن الإلهي الحتمي، مصداقاً لقوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ}. فإذا لم يأذن الله بالضرر، فلن يقع شيء. كما أن العديد من الشخصيات المرموقة قد تمتلك سرائر خفية وصالحة مع الله، كأعمال البر، والصدقات، ورعاية الأرامل والأيتام، ودعم دور القرآن، وهذه القوة الإلهية الحامية أعظم من أي سحر.

 

أما فيما يخص غير المسلمين والمشاهير في المجتمعات الغربية، فمن الخطأ الاعتقاد بأنهم بمنأى عن السحر؛ فالحالات تقع بينهم وتظهر في صورة انتحار مفاجئ، أو جنون، أو اكتئاب حاد، أو سكتات قلبية مفاجئة دون تشخيص طبي واضح، لكننا لا نطلع على تفاصيل حياتهم.

 

إضافة إلى ذلك، فإن الأندية الرياضية تعتمد حالياً على المعد النفسي لتهيئة اللاعبين ضد ما يسمى "طاقة الرؤية والمراقبة" (العين)، فالأرضية النفسية المستقرة تمنع تأثر الجسد بالطاقات الخارجية. فالإنسان إذا كان محصناً بالأذكار الشرعية، وموقناً بأن رؤية الآلاف له لن تضره إلا بقدر الله، فلن يصيبه شيء، بخلاف من يكون خائفاً ومترقباً للإصابة؛ فالخوف والقبول النفسي يسرعان وقوع الأثر. فالمسلم يعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه.

 

ماهية العين وتأثيرها الغيبي

العين والحسد كباقي الأمراض الروحية هي مسألة غيبية، ولا يمكن تحديد كيفية وقوعها بدقة مادية لأن الشرع لم يفصل في كنهها، والقول بغير ذلك قفوٌ بلا علم. ولكننا نؤمن بوقوعها وإثبات أثرها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا بركت". ويمكن وصفها إجمالاً بأنها طاقة سلبية تنبعث من قلب مسود بالحسد أو من نفس شريرة تتمنى زوال النعمة، وهي لا تخرج من العين المجردة وإنما تنطلق من القلب. وتؤدي العين إلى نفور الشخص من عمله، أو ضيق صدره، أو تراجع أدائه وإبداعه إذا نظر إليه العائن معجباً دون تبريك.

 

وقديماً كانت مهنة "العائن" أو "القواس" معروفة، حيث يستأجرهم الأشرار للإضرار بالناس عبر تسديد طاقاتهم الخبيثة بناءً على الأوصاف حتى وإن كان العائن كفيفاً. وتوجد حالات واقعية لأشخاص يقرون بامتلاكهم هذه القدرة وتوجيهها نحو الأفراد لتثبيطهم وإصابتهم.

 

الفئات الأكثر إقبالاً على السحر ودوافعها

من الناحية النفسية والمجتمعية، يُلاحظ أن النساء أكثر إقبالاً على السحر والعلاج الروحي مقارنة بالرجال؛ نظراً لارتفاع معدلات الغيرة في الأوساط النسائية وضيق الوازع الديني أحياناً. كما أن المرأة بطبيعتها العضوية والنفسية أكثر حساسية ومراقبةً للمتغيرات الجسدية، بينما يميل الرجل للتغاضي عن آلامه بسبب انشغاله بمتطلبات الحياة المعيشية وتكاليفها.

 

وهذا يفسر سبب كثره النساء في عيادات الأطباء وفي مجالس المعالجين على حد سواء، وتتنوع أهدافهن لتشمل طلب الزواج، والترقي الوظيفي، والإنجاب، وتسهيل السفر، وإنجاح التجارة، حيث يسعى البعض لتحقيق غاياتهم الدنيوية بـ طرق كفرية بدلاً من المسالك الشرعية.

 

أنواع الاضطرابات ودور المعالج المتكامل

غالبية من يقصد العلاج الروحي هم من استنفدوا الحلول الطبية والعضوية دون جدوى، فتبدأ الشكوك حول السحر. ولكن دور المعالج بالقرآن لا يقتصر على حالات الصرع والمسحورين، بل يمتد ليكون موجهاً ومصلحاً اجتماعياً ومستشاراً نفسياً.

 

وتَرِدُ حالات لأسر ذات مناصب علمية مرموقة (كالأطباء والدكاترة) يقفون عاجزين أمام سلوكيات أبنائهم كالانجذاب نحو أفكار غريبة أو مقدمات الانحراف السلوكي، وعند دراسة الحالة يتضح أن ضعف التواصل الأسري وغياب الحوار هو السبب الحقيقي وراء المشكلة، فيعمل المعالج على فتح قنوات النقاش وجعل القرآن الكريم بركة الجلسة، مما يعيد الاستقرار والشفاء للجميع دون وجود جن أو صرع.

 

خطر السحر المرشوش والتحول في الأساليب

يمثل السحر المرشوش التوجه الحديث والأكثر شيوعاً حالياً؛ نظراً لصعوبة السحر المأكول أو المشروب الذي قد ينكشف أمر صاحبه عبر كاميرات المراقبة، وصعوبة الدفن في المقابر بسبب الحراسة المحدثة.

 

ويصنع السحر المرشوش من مواد نجسة ومركبات خبيثة مثل: ماء غسل الموتى، ودماء الغدر الناشئة عن الحوادث، والنجاسات العضوية، ويضاف إليها أثر المستهدف (كشعره، أو ثيابه، أو تراب خطوته)، وتتلى عليها الطلاسم الشيطانية في طقوس تشهد الذبائح وإحضار فرق الروحانيات السفلية لإرضاء الخدام الشياطين بما يشتهون من دم، أو ذهب، أو أطعمة. وبمجرد أن يتخطى المستهدف هذه المادة المرشوشة على عتبة بيته، يبدأ تسلط الخادم الشيطاني وتظهر الأعراض وفقاً للغرض المحدد للسحر، سواء كان للتفريق، أو الاستحواذ على العقارات والمتاجر، أو الجنون، أو الموت.

 

الإقبال الطبقي وحقيقة ظاهرة "الزهري"

بالنظر إلى الفئات المجتمعية، يُشاع في التحليلات الاجتماعية أن الفقراء هم الأكثر إقبالاً على السحر؛ فهل هذا صحيح أم أن الطبقات المتوسطة والثرية تقبل عليه أيضاً؟

 

والواقع يثبت أن الأسحار القوية والمكلفة لا توجد عند الفقراء؛ فالفقير لا يملك القدرة المادية على ذبح عجل وإحياء ليلة تتطلب أموالاً طائلة، وإنما يبحث عن أمور بسيطة في الأسواق. الطبقات الثرية وذوو النفوس الخبيثة هم من ينفقون الملايين لإحياء ليالٍ شيطانية بدافع المصلحة أو الأذى. ورغم قلة المظاهر التقليدية كالمجامر في العمارات السكنية الحديثة، إلا أن السحر القوي تغلغل في المدن الكبرى وبين الطبقات الراقية بشكل مخيف، ويتحرك هؤلاء بالسحر في ترقياتهم، وزواجهم، وتجارتهم.

 

ولكن المناعة الروحية والعقيدة القوية مع الله هي الحصن الوحيد لتبطيل هذه الأفعال مهما بلغت تكلفتها المادية؛ فقد يُستهدف شخص غني بسحر قيمته الملايين فلا يتأذى لقوة تحصينه، بينما يتأذى شخص آخر بسحر بسيط لضعف مناعته الروحية.

 

ومن أغرب الحالات الميدانية، حالات العواصف والعداوة المباشرة بين الإنس والجن، مثل القضايا التي تنشأ عن قيام بعض الأسر قديماً باستخراج الكنوز (الدفائن) باستخدام طقوس شيطانية وتقديم ذبائح ونذور سنوية للشياطين الحارسة للكنز. فإذا توفي الآباء ورفض الأبناء الملتزمون استمرار هذه الطقوس الكفرية رغم علمهم بأصل الثروة الهائلة، يشن الشياطين هجوماً عنيفاً عليهم يصل إلى حد اختطاف الأبناء لأيام، وتوثق كاميرات المراقبة هذه الأمور الغريبة، وتطالب الشياطين عبر الأجساد باستعادة النذور. ومن هنا يجب تحذير الباحثين عن الكنوز بالطرق الشيطانية والطلاسم والذبح والخطوط السداسية، بأنهم يجلبون الهلاك لأبنائهم. فالكنز الحقيقي هو ما يجده المرء مصادفة دون ممارسات كفرية.

 

أما بخصوص ما يسمى بـ "الزهري"، فهو خرافة ودجل لا وجود له في الحقيقة. والأسماء المتداولة في الموروث الشعبي (مثل عيشة، وحمو، وشمهروش، وميمون، وملكة، وميرا) هي هالة وأسماء صنعها السحرة وسوق لها بعض الرقاة مع الأسف، بناءً على ما تنطق به الشياطين في الجلسات لإقناع المعالج بالخرافة وصرفه عن القرآن. وكثير من الحالات التي توصف بالمستعصية تزول بمجرد تفكيك الخرافة وتصحيح العقيدة. فالبعض يرتدي لباس الدين ويفتح مقراً للعلاج وهو يفتقر للمادة العلمية والشرعية الكافية، فيكتفي بترديد كلام الشياطين حول "الزهرية" والملوك، والواجب هو دعوة المعالجين للرجوع إلى الشريعة والتثبت، وحث المرضى على مغادرة أي مجلس تطلب فيه معلومات شخصية كاسم الأم أو الصور، لأنها دلالة قاطعة على الشعوذة.

 

المناعة الروحية وحماية المعالج

أخيراً، ألا يتعرض الأشخاص الذين يباشرون علاج المرضى ومواجهة الصرع للأذى في حياتهم الخاصة وأسرهم؟

 

إن النظر إلى هذا الأمر من جانبه الواقعي يوضح أن كل مهنة تكتنفها مخاطر معينة؛ فكم من عامل بناء سقط فمات، وكم من سائق تعرض لحادث، وكم من طيار سقطت به طائرته. فالأمر يتعلق بـ بذل الأسباب مع الاعتقاد بأن الرزق والأجل بيد الله، دون إظهار المعالج لنفسه كشخص خارق؛ فهو مجرد صاحب علم يقدم المساعدة كالمحامي والطبيب. ولكن بما أن هذا الميدان يتعامل مع طاقات غيبية وخوارق، فإن التحصين المستمر والوقاية الشرعية يعدان شرطاً أساسياً لحماية المعالج وأهله.

 


 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

اكتب لنا تعليقك إذا كان لديك أي استفسار عن الموضوع

الاسمبريد إلكترونيرسالة